عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

240

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

إلى الأجسام المراض ، ومنهم من خلق على أنواع الحبوب والمياه وسائر المأكولات والمشروبات ، وعبادة هؤلاء إيصال الأرزاق إلى مرزوقها من سائر المخلوقات ؛ ثم إني رأيت في هذه السماء ملائكة مخلوقة بحكم الاختلاط مزجا ، فالنصف من ماء عقد ثلجا ، فلا الماء يفعل في إطفاء النار ولا النار تغير الماء عن ذلك القرار . واعلم أن ميكائيل عليه السلام هو روحانية كوكب هذه السماء ، وهو الحاكم على سائر الملائكة المقيمين في هذا الفلك ، جعل اللّه محتده هذه السماء ومنصته عن يمين سدرة المنتهى ، سألته عن البراق المحمدي هل كان مخلوقا من هذا المحتد العلى ؟ فقال : لا ، لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم تتكاثف عليه الستور ، فلم ينزل سرّه عن سماء النور ، وذلك محتد العقل الأول ومنشأ الروح الأفضل ، فبراقه من فلك هذا المقام المكين ، وترجمانه جبريل وهو الروح الأمين ؛ وأما من سواه من الأنبياء وسائر الكمل من الأولياء ، فإن مراكبهم في السفير الأعلى على نجائب هذه السماء فيصعدون عليها من حضيض أرض الطبائع حتى يجاوزوا الفلك السابع ، ثم ليس لهم مركب إلا الصفات ولا ترجمان إلا الذات . وأما السماء السابعة ، فسماء زحل المكرّم ، وجوهرها شفاف أسود كالليل المظلم ، خلقها اللّه من نور العقل الأول ، وجعلها المنزل الأفضل ، فتلوّنت بالسواد إشارة إلى سوادها والبعاد ، فلهذا لا يعرف العقل الأول إلا كل عالم أكمل ، هذا هو سماء كيوان المحيط بجميع عالم الأكوان ، أفضل السماوات وأعلى الكائنات ، جميع الكواكب الثابتة في موكبه سائرة سيرا خفيا في كوكبه ، دورة فلكه مسيرة أربع وعشرين ألف سنة وخمسمائة عام ، يقطع كوكبه في كل ساعة معتدلة مسيرة ألف سنة وعشرين سنة وعشرة أشهر ، ويقطع الفلك الكبير في مدة ثلاثين سنة ، وجميع الكواكب الثابتة التي فيها لكل منها سير خفيّ مهين لا يكاد يبين ، منها ما يقطع كل برج من الفلك في ثلاثين ألف سنة ، ومنها ما يقطع بأكثر وأقل ، ولأجل دقتها وكثرتها لا تعرف ، وليس لها أسماء عند الحساب ، ولكن أهل الكشف يعرفون اسم كل نجم ويخاطبونه باسمه ويسألونه عن سيره ، فيجيبهم ويخبرهم بما يقتضيه في فلكه ، ثم إن هذه الأسماء أول سماء خلقها اللّه تعالى محيطة بعالم الأكوان ، وخلق السماوات التي تحتها بعدها ، فهو نور العقل الأول الذي هو أول مخلوقات اللّه في عالم المحدثات . رأيت إبراهيم عليه السلام قائما في هذه السماء ، وله منصة يجلس عليها عن يمين العرش من فوق الكرسي ، وهو يتلو آية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ